ماذا تفعل السلطة في معارضيها في الدول
الديمقراطية؟ وكيف تداري على تعدياتها؟ سؤالان يؤدي الأول منهما إلى الآخر،
والإجابة عنهما هي الحكاية الأخرى، المختبئة، في فيلم "البار" للمخرج
الإسباني إليكس دي لا إجليسيا.
ينطلق الفيلم من مشاهد سريعة تسلط كاميرتها على الأبطال وهم متوجهون إلى مثواهم الأخير: البار، في صباح شتوي، ليشربوا القهوة أو يتناولوا فطورهم. الفتاة المسرعة إلى موعد غرامي، المتسول، عامل النظافة، الموظف، سيدة المراهنات، الشرطي السابق (الذي لا يزال يحمل مسدسًا ويرى العالم من منظور الجهاز الأمني)، والرجل الأنيق (الذي يبدو سياسيًا، ومن عنده تنطلق الحبكة) والشاب الذي يعمل في الدعاية والإعلان (ويضع سماعة في أذنه لينفصل عن المحيط)، كلهم يصبون، بالتعاقب، في حانة بوسط العاصمة مدريد. المجتمع القديم والمجتمع الحديث يتجاوران، مزيج من مجتمع فرانكوي وآخر ديمقراطي، مزيج من تنوع طبقي وثقافي. صباح كأي صباح، وحوارات معتادة بين رواد المكان كأي حوارات، لكن العادي سيقطعه الحدث/ الكارثة، حين يخرج من يبدو الأعلى اجتماعيًا (السياسي) فتصيبه طلقة في رأسه. حينها يحل الصمت ويتحول الشارع إلى صحراء، بلا نفس واحدة، فيما يتحول رواد البار إلى مساجين خلف الباب الزجاجي. طلقة واحدة خرجت من بندقية مجهولة (بندقية قنّاص من أحد الأسطح كما يبدو) ستحول السلام إلى رعب، ومعه يتجول الشارع من شارع مديني متحضر إلى أرض بدائية، أرض بدائية لا يمثل تحولها إلى صحراء إلا مرحلة أولى، هدوء ما قبل العاصفة. الرصاصة ستزيل القشرة عن حقيقة أخرى، وحشية، مختبئة وراء الشوارع الأنيقة والبنايات الملفتة.
مجتمع قديم/ جديد
الغرباء، الذين أدركوا في لحظة واحدة أنهم
يجب أن يصيروا يدًا واحدة في مواجهة الكارثة، سيتلبسهم الخوف حتى من تقديم إسعافات
أولية للقتيل، وبتخليه عن الخوف، يخرج عامل النظافة ليقوم بالمهمة، عامل النظافة
الذي اعتاد التعامل مع الفضلات البشرية يغدو الآن الوحيد القادر على التعامل مع
جثة. إنه اختيار ذكي من مخرج اختار لفيلمه في مجمله أن يتكئ على المجاز، وأن يتوسل
العلامة ليقدم تصورًا سينمائيًا عن المجتمع الجديد. لا فتى الإعلانات ولا الشرطي
السابق من يقدِم على خطوة مواجهة الرعب، لا السيدة التي تقضي يومها في المراهنات
ولا الفتاة الجميلة التي خرجت لموعد غرامي. بل عامل النظافة الذي يمثل المجتمع
الكلاسيكي. وربما يمثّل كذلك طيبة الجهل. الحدث الذي تنطلق منه الحبكة هو مجرد
اختبار أول لكوارث أخرى متلاحقة، سيفشل فيها الجميع في تخطي ذواتهم وأنانيتهم.
خلف زجاج البار يتمثل المجتمع المتناقض،
بالدلالات الثقافية على هذا التناقض: البار كمجتمع صغير يمكن أن يلخص، من دون
إخلال، إسبانيا اليوم. وكما توقع سكان البار، طلقة أخرى سددت إلى رأس عامل
النظافة، ليرقد بدل الجثة جثتان، أولى مستهدفة بالأساس، وثانية وجدت نفسها هناك
بمحض صدفة أو اختيار، لكن من دون تورط في أي قضية. هنا تساوى القتيلان في الموت،
ولم تفرق الرصاصة "المجهولة" بينهما. وهنا تجلى الجبن في شخصيات اختارت
الاختباء وراء حاجز زجاجي، من دون أن يدروا أن مصير آخرهم سيكون مثل مصير أولهم.
الكارثة كنقطة انطلاق
بداية من حادثة الاغتيال (التي لا نعرف
سببها إلا ضمنيًا، أو بالتأويل، فالقاتل الخفي لم يظهر صراحةً)، تنطلق حبكة الفيلم
الطويل في سلسلة حادة من السخرية. من الكارثة يبدأ كل شيء. وليس أمام الأبطال إلا
السخرية من واقعهم، فيتوسل المخرج السخرية ليقدم تصوره عن الإنسان المعاصر. ينشأ
الحب في وسط الخراب بين فتى الإعلانات وفتاة الموعد الغرامي، وتتولد الحكايات من
كل منهم. الحكاية في مواجهة المجهول، في مواجهة الموت، هي ما تسليهم. كل منهم يعود
إلى ماضيه وذكرياته، وكل ذلك يحدث مع أمل في النجاة.
هنا تختفي الجثتان بيد خفية، ويُغسل الدم
كأن شيئًا لم يحدث. وتأتي عربات الشرطة، لا لتنقذ المحبوسين داخل البار
(والمحبوسين في بيوتهم والبارات الأخرى والقبض على القاتل، كما يمكن أن يتوقع
الأبطال) إنما ليحرقوا إطارات سيارات بشكل كثيف، فينقل التلفزيون (المتواطئ) خبرًا
عن حريق هائل في وسط العاصمة مدريد من دون معرفة إن كان هناك ضحايا. بذلك تتضح
تفاصيل المؤامرة. الشرطة ليست مصدرًا للأمن، بل سببًا في محاربته، ومصير سكان
البار بات واضحًا: مثوى نهائي أو محاولة غير مجدية للهرب من دون معرفة كيف. هكذا
يسيطر الرعب والسخرية السوداء، وهكذا يتحول العالم، من دون سبب واضح (أو هذا ما
يسعى إليه الفيلم)، إلى عالم أوكاليبتي يشبه قليلًا عالم تارانتينو، كما يتشابه مع
عوالم المخرج نفسه في أفلام سابقة مثل "يوم الحيوان" و"موتى من
الضحك".
ولأن القدر الخفي هو من يدير اللعبة، لم يجد
رواد البار إلا الحكي عن أنفسهم، ليتضح، في الأخير، أنهم مجموعة من اليائسين على
اختلاف وظائفهم وطبقتهم وأساليب حياتهم. ولتكتمل مأساتهم، يموت أحدهم في الحمّام
من جرعة زائدة (لم يكن ضمن المجموعة، كان زائرًا عابرًا جاء ليستخدم الحمّام فحسب)،
وتأمر صاحبة البار كل من لمس الميت بأن ينزل إلى البدروم (المخزن الذي يؤدي إلى
نفق الصرف الصحي)، ثم ينطلق وسواس المرض والعدوى، وخاصة في مشاهد شديدة المأساوية
بمجموعة من الناس يحيطون بالجثة ويخشون المصير المحتوم. ستتكفل الشرطة بحرق البار،
بمن تبقى بالأعلى، فيما ينجو ساكنو البدروم مؤقتًا، حتى تنشب بينهم الصراعات على لقاح
مضاد للعدوى، وتنتهي مأساتهم بقتل بعضهم بعضًا، فلا ينجو، بعد صراع تحت الأرض وفي
أنفاق الصرف الصحي، إلا البطلة التي خرجت من البيت في الأساس من أجل موعد غرامي،
تنجو بملابس داخلية ممزقة، غير صالحة لأي موعد، خارج المنطقة التي طوّقتها الشرطة
بسبب الحريق المفتعل، لتكون الوحيدة التي تعرف الحقيقة.
السينما كخشبة مسرح
تدور أحداث الفيلم في 24 ساعة، رأى فيها
الأبطال تجربة حياتية رهيبة يمكن أن تلخص الجشع الإنساني وفطرة القتل، وهي الحكاية
الأولى السطحية التي سردها الفيلم بقسوة، وبمشاعر تتراوح بين الحب والكراهية
والعدوانية، والكثير من الوساوس وتبادل الشكوك والارتيابات. خلال هذه الساعات،
استغل المخرج المكان الضيق كخشبة مسرح، فكانت المشاهد الداخلية هي الغالبة على
الفيلم. لقد انتهى الخارج سريعًا، انتهى الفيلم الذي يتجول بالخارج، ليغدو الفيلم
مسرحية تتلاحق فيها المشاهد والفصول في فضاء محدود، علامة أخرى تتكامل مع يأس الأبطال
في حيواتهم، وتجسيد نفس اليأس في الجدران الأربعة. علامة أخرى على الإغلاق،
وبالتالي فقدان حرية الخروج للشارع. الداخل للمواطن والخارج للسلطة، إنه الشكل
الأول والبدائي الذي يحكم هذه العلاقة. أما المَخرَج فليس إلا نفق الصرف الصحي،
حيث يغرق المجتمع نفسه، وحيث يتصارع الأبطال/ اللاأبطال في الوصول إليه من أجل
نجاة سيتضح مع تطور الفيلم أنها نجاة مزيفة، وموت محتوم.
عن قصد، يتجنب الفيلم أي إشارة إلى السلطة
(الحكاية الأخرى) لتتركز الحوارات في الأزمة لا سببها، مع تقاطعات مع
"الماضي" و"الذكرى" و"البؤس الفردي"، تقاطعات لا
ترجع فيها الكاميرا للوراء، إنما تكتفي بالحكي كوسيلة للترابط وبدء علاقات. ورغم
أن مشاهد الشرطة قليلة ومحدودة، وهي شرطة مقنّعة، بلا وجه، تستخدم عربات مصفحة
وترفع بنادق، إلا أن المُشاهِد سريعًا ما يدرك سؤال الفيلم وطرحه. السلطة تصفي
معارضيها وتفتعل الحرائق، ربما تكون هذه هي الإجابة المبسطة، لكن مَن هم داخل
البار، بحسب ما يتبدى من رؤية دي لا إجليسيا، يستحقون عقابهم. ليس لأنهم أجرموا
بالمعنى الأخلاقي، إنما لأن هذا هو المصير الطبيعي للبشرية: الصراع من أجل الحياة،
ثم الموت في وسط المعركة. هم هنا يصفّون أنفسهم بنفس طريقة تصفية الشرطة لمعارضي
السلطة. إنها نفس اللعبة الممتدة حول البقاء للأقوى والأذكى، فيما يخر الضعفاء
والحمقى ميتين. ليتحقق ذلك، يعمل الإعلام كذراع للسلطة، فلا ينقل التلفزيون إلا من
طائرات هليوكوبتر سماءَ مدريد المغطاة بالدخان، ويظهر الجشع الإنساني فيأكل كل
منهم الآخر ليعيش. نحن هنا من جديد أمام تيمة "الشر"، والصراع في محله
الطبيعي: البالوعة. من هذا المنظور يبدو الفيلم كلعبة روسية، داخل كل منها صورة
شبيهة، وهكذا إلى ما لا نهاية. سلطة تقتل سياسيًا بقلب جامد وتختلق حريقًا ضخمًا
لتحافظ على استمرارها وسيطرتها على الشارع، وشرطي سابق يستغل مسدسه لينفذ أوامر
صاحبة البار بإرسال الآخرين إلى البدروم مع الجثة، حتى يموتوا هناك بمفردهم من
العدوى، وصراع آخر في البدروم على من يتناول اللقاح المضاد للعدوى، ومن يتبقى منهم
يواصل الصراع في نفق الصرف الصحي حتى تتم تصفيتهم جميعًا، باستثناء فتاة الموعد
الغرامي. في كل مرة يتطور الفيلم إلى الداخل، إلى أعماق الأرض أكثر: شارع- بار-
بدروم- نفق صرف صحي، وفي كل مرة يقل عدد الشخصيات بعد التخلص من بعضهم. هي، إذن،
لعبة روسية، مكررة داخل نفسها، تحمل الأكثر عمقًا فيها ما تحمله الأولى من ملامح.
الصراع التحتي/العلوي
في مشاهد سريعة وشديدة الثراء، تنتقل
الكاميرا من "الصراع التحتي"، حيث يتقاتل عارفو الحقيقة، إلى
"الصراع العلوي" حيث حيرة من يجهلون ما حدث، ويكررون ما بثته وسائل
الإعلام من حريق مجهول السبب. تطوق الشرطة
المكان الذي يحيط به سكان العاصمة وهم لا يعرفون ما جرى، وبالطبع لن يعرفوه أبدًا.
نحن، إذن، أمام ثنائية المعرفة/البالوعة، الجهل/ الشارع. والعودة إلى الشارع
بمعرفة يمكن تلخيصها في المشهد الختامي: بلانكا سواريث (البطلة) تسير كأي مشردة،
عاجزة عن النطق بما رأت، ربما فاقدة لذاكرتها السابقة على اليوم الأخير. نهاية
تراجيدية رأى بعض النقاد، مثل كارلوس بويرو، أنها محبطة.
على أي حال، نحن أمام سيناريو متماسك، سيناريو
لا يبحث في المعطيات (المعروفة) إنما في النتائج المترتبة، من خلال فيلم تشويقي
قادر على لضم المشاهد وتطويرها في خيط لا ينتهي بنهاية الفيلم، وصراعات داخلية
استطاعت أن تتجاهل الخارج، فلم يكن الخارج إلا خلفية للأحداث، وأمام رؤية تنقد
السلطة وتنقد الديمقراطية الغربية، التي لا تريد أن تلوث يدها بالدم مباشرةً
فترتدي القفازات فحسب.
نحن أمام رعب من نوع خاص، حيث الجانب الذي
عليه أن ينشر الأمن هو نفسه من يثأر من المواطنين، وحيث المجتمع المتمدن ليس إلا غطاءً
على عفن إنساني خطير، بوسعه أن يقتل دون تفكير ليحقق لنفسه البقاء. فكرة تلتقي مع
فيلم "العمى" للمخرج فرناندو ميريليس، المبني على رواية بنفس الاسم
لجوزيه ساراماجو، حيث المكان الضيق المحدد مثير للغرائز الإنسانية البدائية، وحيث
الصراع من أجل البقاء هو الاحتمالية الوحيدة.
أخيرًا، ففي وسط الاندماج
في الحدث، سيتذكر المشاهد أن ما أدى بالشخصيات لهذا المصير هو السلطة، وهذا،
بالنسبة لصناع الفيلم، إشارة كافية.



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.