--------------
"ما من أحد يهدي من أضله الله"
---------------
الوصول
وعندما وصلت للبيت مساًء، في عام 27 البعيد،
كانت تنتظرني بالفعل وتتجول بالحديقة، فاقتربتْ وفتحتْ البوابة لأدخل بالسيارة،
وما إن خرجتُ من الجراج صعدنا السلم معًا حتى الشرفة، وقعدنا على كرسيين من الخوص
نتأمل الجانب المواجه ونتأمل السماء حيث الشمس كانت في غروبها، وكنا في حالة صمت
حين سألتني:"ماذا بك؟" لكني، وكنت شاردًا جدًا، واصلت في بعدي وهدوئي،
وفي فكرتي المهجورة حول احمرار ذاك الغروب،
ولإلحاحها فقط جاوبت على سؤالها بسؤال:"هل تعشيتِ؟" ما أجابت
عليه بـ "ليس الآن"، وحينئذ نهضتُ وتوجهتُ على مهل للمطبخ (هي جاءت
خلفي)، وأخرجتُ ثمرة طماطم من الثلاجة وغسلتها في الحوض، ثم أخذت الملّاحة من
النمليّة وجلست على المائدة في التو (وهي من الجانب الآخر كانت تصطحبني في كل حركة
رغم أني كنت أتظاهر بلا مبالاة بأني لا أراها)، وظللت في مرمى نظرها حين بدأت في
أكل ثمرة الطماطم، ومن آن لآخر أضع قليلًا من الملح كلما أكلت قطعة، مدعيًا بذل
مجهود مفرط في المضغ لأظهر قوة أسناني بقوة أسنان حصان، وأنا أعرف أن عينيها لا تفارقان
فمي، أنها، تحت صمتها، تتلوى من الصبر، وأن رغبتها فيّ تتزايد كلما تجاهلتها، ما
أعرفه أني بمجرد انتهائي من أكل ثمرة الطماطم تركتها في المطبخ ورحت لأبحث عن
الراديو الذي كان على رف بالصالة ودون أن أعود للمطبخ التقينا مجددًا في الممر،
ودون لفظ كلمة واحدة دخلنا معًا لظلام الغرفة.
----------
السرير
في البداية،
بعد أن دخلنا الغرفة، كنا نبدو كغريبَين يتأملهما ثالث، هذا الثالث كان دائمًا أنا
وهي، ومسؤوليتنا كانت أن نراقب ما أفعله أنا، لا ما تفعله هي، لذلك قعدتُ على حافة
السرير وبدأت في خلع حذائي وجوربي على مهل، لامسًا قدميّ بيدي، فشعرت بهما رطبتين بنعومة
كأني انتزعتهما من الأرض في تلك اللحظة، وفي الحال شرعت في السير على الباركيه،
منتبهًا لما أفعله، ومتظاهرًا بأن تجولي بالغرفة يتبع باترونات صغيرة، وكانا طرفا
البنطلون يلمسان الأرض وفي نفس الوقت يستران جزءًا من قدميّ بغموض ما، وأنا أعرف
أنهما يحتويان بقوة قدميّ الحافيتين والبيضاوتين جدًا، وفي الحال استمعت
لتنهيداتها العميقة بالقرب من الكرسي، حيث كانت تودّع يأسها ربما، بينما تتجرد من
ملابسها بفك حمالة البلوزة بأصابعها وإنزالها على ذراعيها، وأنا، متظاهرًا دومًا،
كنت أعرف أن كل ذلك حقيقي، وأعرف كما كنت أعرف دومًا هوسها بالأقدام، خاصة قدميّ،
ذات الحواف الحادة والمنحوتتين بمهارة، بعُقلها البارزة من الأصابع وخطوط عروقها وأوتارها
المحددة، دون أن يؤثر ذلك في هيئتها الخجولة كقدم رقيقة، وكنت أروح وأجيء بخطوات
محسوبة، مؤجلًا اللقاء بذرائع صغيرة، لكن عندما خرجت هي من الغرفة وراحت لوهلة إلى
الحمّام تجرّدت سريعًا من بنطلوني وقميصي وتمددت على السرير في انتظارها، جاهزًا
وصارمًا، مستمتعًا في صمت بقطن الملاءة التي تغطيني، وفي الحال غمضت عينيّ وأنا
أفكر في الحيل التي سأستخدمها (من بين حيل كثيرة كنت أعرفها) وبهذه الطريقة راجعت
برأسي كل الأشياء التي فعلناها معًا، كيف كانت ترتجف من حركات فمي الأولى ومن بريق
عينيّ فيزدهر أقصى ما فيّ من فحش وصلابة، رغم أنها، مأخوذة بجانبي الخفي، تصرخ من
جديد:"هذا الفاحش الذي أحبه"، واستحضرت هذا الجانب المبتذل في لعبتنا،
هذه المقدمات بكل ما فيها من حبكات ننفذها بعد ذلك، حبكات ضرورية لنبدأ مباراة
تشبه حركة العسكري الأولى في الشطرنج، مقدمات تبدأ بضغط يدي على يدها، بالتسلل
لأصابعها، بالضعط عليها، بسحبها تحت يدي حتى شعر صدري، فتحاكي حركة أصابعي تحت
الملاءة ثم تؤدي وحدها نشاطًا سريًا، أو تفعل ذلك في مرحلة تالية، بعد أن نكتشف
بيقين شعر كل منا، عظام كل منا، رائحة كل منا، وعندما، على ركبتينا، نحسب الطريق
الطويل لقُبلة وحيدة، براحتي يدينا ملتصقتين براحتيّ الآخر، بعناقنا مفتوحًا كصلاة
مسيحية، وأسنان كل منا تعض فم الآخر كأنها تعض لحم القلب الطري، وبعينين مغمضتين،
هاجرًا الخيال المركّز في منحنيات هذه الالتفافات، رأيت نفسي أيضًا متورطًا في بعض
الأداءات، مثلما كان يحدث بعد نهوضي من فوق بطنها وسريعًا ما استجبت لواحدة من
نزواتي (نزواتها) الأكثر ألفة، إذ وصلت بسائلي فجأة وبعنف فسال على وجهها وصدرها،
ومثل نزوة أخرى أقل اندفاعًا وأبطأ نضجًا، وهي ثمرة نضجت في تصاعد صامت وصبور
لتقلصات قوية، وكانت تحدث حين أكون بداخلها ونظل ساكنين دون حركة حتى نصل بصرخات
غاضبة تفوق دوي أكثر الأمجاد علوًا، وفكرت مع ذلك في قفزة معاكسة خطيرة حين كانت
على بطنها تقدم لي عشبًا آخر وذراعاي ويداي، كماكينة أو تشبهها، تمسكان بها من تحت
كتفها وتضغطان وتضبطان، جزءًا جزءًا، كتلة جسدينا المتصاهرين، وكنت أفكر طوال
الوقت في يدي ذات الظهر الطويل وأستخدمها كثيرًا خلال هذه العملية الهندسية
العاطفية، يد أعددتها جيدًا حتى أنها تقول لي بشكل متكرر وهي في متاهتها الكاملة
"رائع، رائع، أنت فريد من نوعك"، بعدها
بدأت أفكر في لحظات التجديد، في السجائر التي ندخنها بعد كل فقاعة صمت
مسمومة، أو خلال دردشاتنا ونحن نشرب القهوة (كنا نهرب من السرير عاريين لندنس
مائدة المطبخ)، عندما كانت تحاول أن تصف لي تجربتها الملتبسة مع الأورجازم، متحدثة
دائمًا عن ثقتي وجرأتي خلال الطقس، بينما تداري بفشل انبهارها لأني أذكر دائمًا
اسم الرب بين أدائي الفاحش، وتحدثني خاصًة عما علّمته لها، وخصوصًا إدراك الممارسة
من خلال عينين مفتوحتين تراقبان في أغلب الأحيان، حجرًا حجرًا، حدائق طريق متشنج،
وحينئذ كنت أحدثها عن ذكائها الذي مدحته
دائمًا كأفضل صفاتها في السرير، ذكاء رشيق ونشيط (حتى ولو كان تحت رغبتي)، مفتوح
بشكل استثنائي على كل الغزوات، وأنا كنت أتحدث عابرًا عن نفسي أيضًا، مأخوذًا بالتناقضات
المتعمدة (وكانت قليلة) في شخصيتي، مبرهنًا من بين هراءات أخرى أني فاحش لكني نقي
وعفيف، وكنت أفكر، بعينين مغمضتين دائمًا، في أشياء أخرى كثيرة بينما لم تأتي هي
بعد، فالخيال سريع جدًا أو أن الزمن مختلف، إذ يعمل ويخلط الأشياء البعيدة وغير
المتصورة بشكل تلقائي، وعندما توقعت خطواتها عائدة بالممر حانت لحظة فتح عينيّ
لأراقب الوضع الصحيح لقدميّ وهما يتطلعان خارج الملاءة، منتبهًا كالعادة إلى أن
شعري الكستنائي الذي ينمو بين فجوات الأصابع وفي أصابعي الطويلة كان مضحكًا
وجذابًا في الوقت نفسه، غير أني في الحال غمضت عينيّ مجددًا حين شعرت بها تدخل
الغرفة، ولمحت طيفها المتأجج يقترب وكنت أعرف كيف ستبدأ الأشياء، بمعنى أنها
ستقترب برفق وبرفق جدًا إلى قدميّ اللتين شبّهتهما ذات يوم بزنبقتين بيضاوتين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.