طرح رولان بارت نظرية "موت المؤلف" كوسيلة يمكن من خلالها قراءة العمل الأدبي بمعزل عن كاتبه، بعيدًا عن كل سياقاته المحتملة. الانتصار للنص، والنص هو العالم، وبالتالي لا أحد يملكه. في إطار آخر، ظهرت نظرية "موت الناقد" التي انتصرت للقاريء بالأساس، وألغت بشكل متعسف دور الناقد وما يمليه من أحكام قيمية ومعيارية لجودة العمل الأدبي، ليكون الحكم في النهاية للقاريء. دور الناقد الوصاياتي سيتراجع لصالح ثقافة القاريء وقدرته على تأويل العمل والتجاوب معه. بتجريد النظريتين من المؤلف والناقد، لم يتبق إلا "نص وقاريء"، هنا تبدت اشكالية جديدة: من هو القاريء؟ وما طبيعة النص؟ المتلقي الذي كان غائبًا طول الوقت اكتسب الآن أهمية كبرى، أهمية ستفرض، حتى دون الاعتراف بذلك، شروطها على المنتج الأدبي (النص)، وهو منتج لا ينفصل عن المنتج السينمائي والموسيقي.انتبه أمبرتو إيكو مبكرًا لصراع بدأ يفرض نفسه بين "الثقافة النخبوية" من ناحية "والثقافة الجماهيرية" من ناحية أخرى، ونشر منذ أكثر من أربعين عامًا دراسة يدحض فيها المغالطات النقدية التي تصنّف الثقافة الجماهيرية باعتبارها "ضد الثقافة"، وأنها "تهدد بأفول الفن الحقيقي". الأن تظهر في إسبانيا نظرية "الأفتر بوب" للكاتب والأكاديمي فرنانديث بورتا، والتي تتضمن، من ضمن ما تتضمن، "موت المثقف"، وتوجه نقدًا حادًا للنقد الأدبي العاجز عن مواكبة الإبداع وانعزاله في مكان لا يمكنه من خلاله إدراك الثقافة الحالية ومفرداتها.
في عام
2006، ستصدر في إسبانيا رواية لا تكتفي بلفت الانتباه إليها واعتبارها حجر الأساس
لتيار سردي جديد هو الأبرز الآن في لغة ثيربانتس، بل إن "نوثيّا دريم"
لـ أجوستين فرنانديث مايو ستقلّب التربة الأدبية/الثقافية الإسبانية لتعيد من جديد
طرح سؤال الأدب الجماهيري والأدب الرفيع، أو ثقافة الجماهير والثقافة النخبوية.
سيكون نتاجًا لهذه الرواية عشرات المقالات النقدية، وظهور تسمية "جيل
نوثيّا" و"الضوء الجديد" و"الرواية الأفتر بوب".
بالإضافة لذلك، ظهور كتابين نقديين أحدهما، كنتاج مباشر لها، ينظّر لكتابة متجاوزة
لما قبلها حد العداء "الضوء الجديد.. فرادة السرد الإسباني الحالي"
للناقد والأكاديمي بيثنتي لويس مورا (أحد المنتمين لهذا التيار السردي) وثانيهما،
واكب ظهور الرواية وكان تأصيلًا لأفكارها، يضع نظرية جديدة هي في حقيقتها امتداد
لتنظيرات مدرسة فرانكفورت وفالتر بنيامين، بعنوان "الأفتر بوب.. أدب الانفجار الإعلامي" للكاتب
والأكاديمي إلوي فرنانديث بورتا (كاتب آخر من نفس التيار).
التوليفة، غير المسبوقة، التي صنعها
فرنانديث مايو، ما بين الأسئلة الفلسفية من ناحية، واللغة الشعرية وتكنيك الكولاج
من ناحية أخرى(أدب رفيع)، في مقابل أحداث تدور في بيوت دعارة ومحطة بنزين وعالم
تحتي يتكوّن على هامش العالم الأنيق (أدب بوب)، بالإضافة للفانتازيا كفكرة أساسية
شيدت عليها الأحداث (شجرة من الأحذية يتتبع الراوي كيف تكونت، في رحلة مسلية
ومضحكة بقدر ما فيها من فلسفة) واستلهام العالم البورخسي في بعض المواضع، بل
والتلميحات إليه داخل السرد، واعتماد تقنية التوثيق أو الاستشهاد بكتابات أخرى في
فصول منفردة، كل ذلك جعل النقاد يشيرون إلى العمل كحلقة جديدة في سلسلة الأدب
المكتوب بالإسبانية. سلسلة احتاجت أكثر من ستين عامًا لتتجدد، بعد أن بقت الواقعية
السحرية كأبرز مرحلة في تاريخ أدب هذه اللغة، ولم يعد من جديد إلا التقليب في
أشكال مختلفة للواقعية، ليس بمعناها الجمعي، بل الفرداني (خابيير مارياس) أو
التاريخي (أنطونيو جالا). وإن كان خوان خوسيه ميّاس أحد أشد الحلقات التي عبرت
الفانتازية/الغرائبية من خلالها إلى الجيل الجديد، غير أننا هنا، مع "الضوء
الجديد" نتحدث عن فانتازية أخرى تتكيء على بورخس أكثر مما تتكيء على التراث
الإسباني الفانتازي.
رواية مايو تبعتها روايات أخرى له
"نوثيّا إكسبيريانس" و"نوثيّا لاب" لتجمع بعد ذلك في كتاب
واحد بعنوان "مشروع نوثيّا" أو ثلاثيتها. لكنها في جانب آخر كانت رأس السهم الذي فتح
الطريق لأكثر من عشرين روائيًا اتفقت رؤاهم الفنية وتصوراتهم الجمالية مع عمل فرنانديث
مايو، فكوّنوا جميعًا، على مدار السنوات الأخيرة ما أطلق عليه تيار "الضوء
الجديد"، الذي ضم خورخي كاريون وفرنانديث بورتا وبيثنتي مورا، من بين أسماء
أخرى. وفيما انشغلت الكتب والمقالات النقدية بالقيم الجمالية والباراديجمات
السردية التي تقترحها "نوثيّا"، انشغل فرنانديث بورتا في "الأفتر
بوب" بسؤال، في حقيقته، يتماس مع مقترح الرواية، غير أنه لا ينتهي عندها: ما
الحدود الفعلية بين الأدب الجماهيري والأدب الرفيع؟ هل لا تزال ثمة حدود بينهما؟
ستتولد من هذا السؤال، أو الافتراضية، أسئلة أخرى وافتراضيات كثيرة، كلها تصب في
خلخلة البنى الثقافية المستقرة، خلخلة بالفعل كانت قد اهتزت دون أن يعترف النقاد
بذلك. ربما تحتم طرح تصور ثقافي جديد
مع نشأة وسائل الإعلام في القرن العشرين، واستشعار مدى تأثيرها على الجمهور، ما
استدعى، على مدى القرن، إعادة تعريف قانون الفن وطريقة استهلاكه. ظهور الإنترنت
وانتشار المدونات ووسائل التواصل الاجتماعي، مع حدة تأثير الصورة في أواخر القرن
الماضي وأوائل الحالي، فرض كذلك، بطبيعته، تصورًا عن الثقافة، سواء بمعنى ما يجب
أن تكون عليه الثقافة أو تحليل لحال الثقافة القائم.
الحقيقة أن كتاب بورتا صدر في عام 2007،
ولابد أنه عمل فيه ما لا يقل عن ثلاث أو أربع سنوات، إذ رغم حجمه المتوسط (350
صفخة من الحجم المتوسط) إلا أنه شديد التماسك والصعوبة، ويعتمد فيه على عشرات
المراجع ليس فقط في الأدب، بل في الموسيقى وحتى في السياسة. إذن، لم يكن كتاب بورتا
نتاجًا مقصودًا ولا رد فعل على رواية "نوثيّا دريم"، إذ التفت بورتا،
بحسب ظننا، إلى المسافة التي صار الأدب يتجه إليها بعيدًا عن القوالب الثابتة،
السابقة والتقليدية، ولاحظ كيف يتشابه الأدب مع الموسيقى، وهي الملاحظة التي لا
يتخلى عن البرهنة عليها على طول الكتاب. فبينما يؤرخ للأدب الجديد، يسترجع تاريخ
موسيقى النصف الثاني من القرن الفائت. بذلك تمثل موسيقى البيتلز والتكنو أحد متكآت
الكتاب. مع ذلك، واكب "الأفتربوب" صدور رواية مايو، التي كانت التجسيد
الأدبي الصافي لهذه النظرية، فأُعتُبر فرنانديث بورتا، مؤلف الكتاب، المنظّر الأول
لتيار"الضوء الجديد".
نظرية الأفتربوب
يُعرّف بورتا "الأفتربوب" بأنه "ليس موضة، ولا حركة، ولا جماعة، إنه حالة جمالية... حالة تحمل في طياتها علامات تغيير لمفهوم البوب، الذي منذ أدورنو وحتى ماكلوهان تم التنظير له باعتباره خفيفًا وسهلًا وسطحيًا. لكنه مع الوقت اكتسب صفة الجدية واقترح قراءات متعددة المستويات...". لا يشير بورتا هنا، بالطبع، إلى الأدب التجاري، الذي لم يغادر مكانه المعهود، بل إلى أدب آخر يتوافر على باراديجم جمالي خاص، يستخدم الإنترنت كـ "واقع ممتد"، بتعبير بيثنتي لويس مورا، وليس باعتباره "فضاءً افتراضيًا". إننا إزاء "حالة" تمردت فيها "الأفتر" على البوب، كما تمردت "البوست" على الحداثية. هنا تحديدًا تتبدى ملامح النظرية. فإذا كانت الحداثية مشروعًا قائمًا على الحقيقة المستقرة (أو المطلقة، باعتبار الإنسان مركز الكون)، فما بعد الحداثية تنتصر للحقيقة النسبية، للتشكيك في الثوابت الحداثية. وإذا كانت الأولى تؤسس لخطاب سردي متماسك وبنية تصاعدية، فالثانية تتبنى خطابًا ناقصًا وبنى متشظية كتعبير فني عن رؤية كونية للعالم، بل وتؤكد عداءها للحداثة. لذلك، فـ "الأفتر بوب" سردية "ما بعد حداثية"، كما يتجلى في أعمال فرنانديث مايو. سردية تتكيء على الساركزم من ناحية وتفكيك البنى الراسخة من ناحية أخرى في مواجهة الرسمية، والنقد الثقافي في مواجهة الاستعراض والكيتش. وسردية متفاعلة مع الموسيقى الجديدة، خاصة مع فرقة Twelve 12، هذا عنصر جمالي أصيل، يؤكد أصالته أن كلًا من فرنانديث مايو وفرنانديث بورتا موسيقيان هاويان. من هنا جاء اختيار مصطلح "الأفتر بوب"، الذي يعبر عن التطور الموسيقى أكثر مما يعبّر، في ظاهره، عن النقد الأدبي. إنه مصطلح يعادل في النقد الموسيقى الـ postpop، الذي يعرّف الحالات الإبداعية الجديدة في موسيقى بدايات القرن، تعريف يرى بورتا أنه يقبل نموذجين، أحدهما، في الموسيقى التجارية، تجاوز نموذج المغني البوب الذي فرض نفسه من بداية الثمانينات لمصلحة منتج آخر ليس أقل مبيعًا لكنه أكثر إدراكًا لتاريخ الموسيقى الحديث، فإذا كانت نجمة البوب مغنية/ راقصة بوب، مثل مادونا في النسخة الأولى، فنجم البوست بوب يستخدم مفردات الهيب هوب وأنواع أخرى من الموسيقى الإليكترونية، بل وحتى حركات الـ indie، مثل بريتني سبيرز. وثانيهما في سياق الموسيقى الــ indie، التي تعمل بها بعض الفرق التجريبية، وتستخدم وسائل البوب التقليدية لجمهور غير متخصص وفي محيط ضيق، وأمثلته تبدأ من فرقة YO LA TENGO وحتى MIGALA.
هذا التطور الذي شهدته الموسيقى يقارنه
بورتا بالتطور في الأدب. فسؤال الموسيقى بانتقالها من البوب للتكنو فرضت تحولًا في
إعادة تعريف المؤلف الموسيقى والفضاء الاجتماعي والفني المميز وإعادة الاعتبار
للجمهور نفسه. من "إعادة التعريف" ينطلق مؤلف الكتاب.
في كتابه، لا ينطلق فرنانديث بورتا من العدم، بل يرتكز على أعمال سابقة لـ أمبرتو إيكو، وخصوصًا لـ فالتر بنيامين، مثل "العمل الفني في عصر إعادة إنتاجه تقنيًا"، إذ يمد الكاتب الإسباني خيط "تغير علاقة الجمهور بالفن عند إعادة إنتاج العمل الفني" ليضع جمهور الأدب في الصورة، وهو الجمهور الغائب، في أغلب الأحيان، عن الأدب النخبوي. بذلك، لا يستعير أدب "الأفتر بوب" ثيمات البوب فحسب، بل يمد جسرًا للتقارب مع الجمهور أيضًا. ما يصنعه بورتا، بكلمات الباحث إيكتور ترانكون، أنه يلملم نثائر البوب ويحلل عمق صورها، بذلك تأتي نظرية "الأفتر بوب" كـ مانيفيستو لـ "الثقافة البوب الرفيعة" المتمخضة بالأساس عن الحاجة لخلق لغة جديدة تعالج الحاضر، ووسيلتها لذلك التشييد على أنقاض البوب. تاليًا، تتخذ نظرية بورتا موقفًا فلسفيًا يرفض الهوس بالماضي، كما في "حمى الأرشيف.. انطباع فرويدي" لـ جاك دريدا، أو في "تدوير الهوس.. إدمان البوب لماضيه" لـ سيمون رينولدز.
الأفتربوب، إذن، كنظرية، تقدم مقترحًا جماليًا يضيف الكثير للفن السردي في هذه اللحظة،
لكنها في نفس الوقت تتهكم على "الرأسمالية العاطفية" التي، رغم جمود
مشاعرها، لا ترفض الحب، بل تستخدمه وتثيره لتحقق من ورائه كل المكاسب الممكنة. إنه
انتقاد لـ "مجتمع الأفتر بوب" الواقع تحت سيطرة الاستهلاكية، والذي يظن
أنه يملك كل شيء، مع أنه في حقيقة الأمر لا يملك أي شيء. وفي الوقت الذي يقع فيه
هذا المجتمع، حتى في ظل مناداة أفراده بالفردانية، تحت سلطة الإعلانات ووسائل
الإعلام، يرفع أدب الأفتر بوب شعارًا آخر ضد الحداثة برمتها، ووسائله لذلك كل
مباديء ما بعد الحداثية، من شخصيات تائهة أو مهزومة وبنى متشظية. وفوق كل شيء، عوالم
سردية غريبة تمثّل اللا واقعية/الفانتازية أحد عناصرها المميزة، مع ربطها بـ
"الواقع الممتد" وهو التكنولوجيا الحديثة. ربما من أجل ذلك يصر بورتا
على تسميته "حالة" وليس تيارًا أو جماعة. حالة تمرد جمالية بالأساس، لكن
دون بترها عن السياق العام. مع ذلك، فالحالة كوّنت تيارًا اختار كُتّابه أن يكونوا
أقلية داخل المشهد السردي الإسباني، أو على هامشه، مشهد تُمثّل الواقعية النص
المركزي فيه، لكنها ليست الواقعية الملتزمة بسؤال الجماعة بقدر ما هو سؤال الفرد،
خاصًة بعد الأزمة الاقتصادية التي تركت بصمتها على المجتمع منذ 2008.
في تبنيه لثقافة الجماهير ومعالجتها نقديًا،
يوجّه بورتا نقده الحاد للمثقفين أصحاب ربطات العنق، المخنوقين داخل زجاجة الماضي
والمفتقدين لكل حس جديد، هذا إن لم يعادوه بالفعل. هؤلاء المثقفون الذين ينظرون
لهذه الثقافة من بعيد، لتبقي باستمرار على مسافة منهم، وحتى لو تجرأوا وفكروا في
الاقتراب من معالجتها، سيبدون مثل غرباء في أرض بعيدة.
نظرية بورتا، في نهاية المطاف، تعلن موت هذا
المثقف النخبوي، لتنتصر لثقافة اليوم بكل ما فيها من تغيرات، إذ انها ثقافة تستجيب
للعصر كما استجابت ثقافة الستينات والسبعينات للتليفزيون والسينما، وكما استجابت
الموسيقى لمجربي البوب وما بعد البوب

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.